الشنقيطي

109

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

قوله تعالى : وَاتَّخَذُوا آياتِي وَما أُنْذِرُوا هُزُواً ( 56 ) [ 56 ] . ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة : أن الكفار اتخذوا آياته التي أنزلها على رسوله ، وإنذاره لهم هزؤا ، أي سخرية واستخفافا ، والمصدر بمعنى اسم المفعول ، أي اتخذوها مهزوءا بها مستخفا بها : كقوله : إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً ( 30 ) [ الفرقان : 30 ] . وهذا المعنى المذكور هنا جاء مبينا في آيات كثيرة ، كقوله تعالى : وَإِذا عَلِمَ مِنْ آياتِنا شَيْئاً اتَّخَذَها هُزُواً [ الجاثية : 9 ] ، وكقوله تعالى : يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ ( 30 ) [ يس : 30 ] ، وقوله تعالى : وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ ( 10 ) [ الأنعام : 10 ] ، وقوله تعالى : وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَ بِاللَّهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ ( 65 ) لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ [ التوبة : 65 - 66 ] الآية ، إلى غير ذلك من الآيات . و « ما » في قوله « ما أنذروا » مصدرية ، كما قررنا ، وعليه فلا ضمير محذوف . وقيل هي موصولة والعائد محذوف . تقديره : وما أنذروا به هزؤا . وحذف العائد المجرور بحرف إنما يطرد بالشروط التي ذكرنا في الخلاصة بقوله : كذلك الذي جر بما الموصول جر * كمر بالذي مررت فهو بر وفي قوله « هزوا » ثلاث قراءات سبعية قرأه حمزة بإسكان الزاي في الوصل . وبقية السبعة بضم الزاي وتحقيق الهمزة . إلا حفصا عن عاصم فإنه يبدل الهمزة واوا ، وذلك مروي عن حمزة في الوقف . قوله تعالى : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْها وَنَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ [ 57 ] آية . ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة : أنه لا أحد أظلم ؛ أي أكثر ظلما لنفسه ممن ذكر ؛ أي وعظ بآيات ربه ، وهي هذا القرآن العظيم « فأعرض عنها » أي تولى وصد عنها . وإنما قلنا : إن المراد بالآيات هذا القرآن العظيم لقرينة تذكير الضمير العائد إلى الآيات في قوله أَنْ يَفْقَهُوهُ ، أي القرآن المعبر عنه بالآيات . ويحتمل شمول الآيات للقرآن وغيره ، ويكون الضمير في قوله أَنْ يَفْقَهُوهُ أي ما ذكر من الآيات ، كقول رؤبة : فيها خطوط من سواد وبلق * كأنه في الجلد توليع البهق وتظهر ذلك في القرآن قوله تعالى : قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ [ البقرة : 68 ] أي ذلك الذي ذكر من الفارض والبكر . ونظيره من كلام العرب قول ابن الزبعرى : إن للخير وللشر مدى * وكلا ذلك وجه وقبل